الموشحات الحلبية… كنز ينتظر بريقه

ما إن يذكر اسم حلب حتى يرادفه الطرب، فتتصدر الموشحات قائمة الذهب العتيق الذي عرفت به هذه المدينة العريقة، ولكن ما الحال التي آل إليه ذهبنا الحلبي اليوم؟ هل انتهى زمن تأليف الموشحات؟ هل اكتفينا بما ورثناه عن الأقدمين؟ وهل باتت لزمان غير زماننا؟ أم أن هنالك من يقوم بتأليفها إلى الآن؟؟ وإن وجد. فأين هي؟

مدونة وطن eSyria حملت تلك الأسئلة إلى أهل الاختصاص من مدينة الطرب السوري الأصيل، أولهم كان الفنان “عماد ملقي” عازف قانون الذي قال: «يمكننا القول أن زمن تأليف الموشحات انتهى منذ ما يقرب العقدين من الزمن، ولكن هناك محاولات خجولة جداً بتأليفها لكنها لا ترى النور».

وبحسب ما يؤكده الباحث والمخرج “جميل ولاية” فإن الموشح الأندلسي انتقل إلى مصر وسورية كنص شعري فقط، فولدت له صيغة لحنية جديدة في حلب، وفي هذا السياق يقول الباحث والموسيقي الحلبي المعروف “عبد الحليم حريري”: «الموشح أصله أندلسي وشهرته حلبي وهو يختلف تماماً عن الأندلسي الأولي البسيط، وبناء على ما سبق يتبين لنا بأنه قالب لحني متغير وأسباب عدم التلحين بذلك القالب متعددة، منها تغيير أسس السماع الموسيقي عند الناس؛ كاعتماد الدرامز وإيقاعاته أساساً للألحان الحديثة. وعدم وجود شعراء لتطوير مضمون الموشح، لأن الحديث منه إذا لم يعتمد على أفكار ومفردات عصرية شعرياً وعلى أساليب تنفيذ جديدة متطورة منافسة لحنياً، فإنه لن يكتب له النجاح، وهذا يحتاج إلى دعم مادي لتشكيل فرقة عصرية بآلات موسيقية حديثة للتنفيذ، وإلا يمكن التلحين على نفس المنوال السابق دون أن نضيف أي جديد».

قبل أن نفكر بضخ دماء توشيحية جديدة تناسب العصر، تستوقفنا أصوات تعيدنا إلى المنجز القديم الذي اشتهر بعضه وشاع، ولكن الكثير منه كان مصيره النسيان والضياع، هنا يقول الفنان الموسيقي “ابراهيم مسلماني” وهو رئيس فرقة نوا الموسيقية: «من وجهة نظري قبل الالتفات إلى من يلحن الآن أو كان يلحن منذ عهد قريب دعونا نعود للوراء فيوجد ما يفوق عن الـ 60 بالمئة من موشحاتنا مفقود وغير منشور وغير موثق من ألحان هي عذبة وجميلة ويمكن أن نقدمها للأجيال الجديدة التي أنتمي لها».

وهذا ما يؤيده الأستاذ “عبد الحليم حريري” أي ضرورة جمع الموروث الموسيقي الغنائي ولكن كمرجع تاريخي فقط، أما إعادة تقديمه فيظن أن أغلبها أصبح غير صالح للسماع في الزمن الحالي، إلا ما ندر ويقول: «صحة تلك الألحان ليست موضع جدل ولكن مفهوم الحلاوة والاستمتاع اللحني قد اختلف الآن، نحن بحاجة حالياً لألحان جديدة طربية تخرج عن النمط التقليدي، ولا يهم إن كانت بأي قالب لحني، المهم الاستفادة من كم المقامات والأوزان الإيقاعية بشكل جميل. أي يجب أن يكون نتاج هذا الجيل اللحني تراثاً للأجيال القادمة».

ويرى “حريري” أن أي خطوة في هذا الاتجاه تقع على عاتق وزارة الثقافة التي – برأيه – تولي اهتمامها بالفرق الراقصة والفرقة السيمفونية أكثر من أي نشاط موسيقي آخر لأنها تحقق إبهاراً إعلامياً، فبقيت محاولات إحياء الموشحات فردية ومحدودة، ومنها تجربته مع الأستاذين “محمد قدري دلال” و”غسان عموري” ولسنوات متعددة في سبيل نشر الموشحات غير المعروفة للجمهور في جولات محلية وعربية وعالمية.

ويؤكد “ابراهيم مسلماني” مسؤولية الدولة في ذلك من خلال تجربة لدولة مجاورة وهي تركيا، يقول: «أملك في مجلد واحد من مجلدات أرشيفي من النوتة التركية 48 ألف نوتة تضم فقط الموسيقا الكلاسيكية العثمانية التركية، وهذا كله بفضل اهتمام السلطات هناك بالتوثيق وللمعلومة، في تسعينيات القرن الماضي كانت هنالك المبادرة الأكبر بدعوة أهم الموسيقيين للعمل مع وزارة الثقافة لتدوين وتسجيل جميع ألحان التراث التركي ونشره وخصصوا إمكانات كبيرة في سبيل ذلك، كما أطلقوا أكثر من 17 موقعاً الكترونياً على الانترنت متخصصاً في نشر النوتات والتسجيلات على المقامات النادرة، ويمكن لأي باحث على الانترنت أن يحصل على ما يشاء منها».

أما العازف “عماد ملقي” فوجه المسؤولية باتجاه وسائل الإعلام التي كرست نفسها لكل فن تجاري واستهلاكي، تاركة التراث بشكل عام، والموشح بشكل خاص لمصير غير مبشر.

هذا القالب الغنائي العريق والوحيد من القوالب والألحان الذي يؤكد نظرياتنا الموسيقية السورية هل نتركه ينقرض دون أن نحرك ساكناً تجاهه؟!