حلب تبحث عن موشّحاتها

في الحديث عن فن الموشحات، قلّما نستطيع الوقوف على أرض يتّفق عليها الجميع. لا يتوقّف الأمر عند الجدل حول أصل الموشّح؛ إذ إنّ هذه المسألة تُعتبر من الإشكاليات المتأصّلة في التاريخ الثقافي العربي. لكن، مقارنةً بما طرأ من مشكلات واكبت انتشاره، يمكننا اعتبار قضية استصدار شهادة ميلاد لهذا الفن، باتت أقل أهميّة إذا ما فتحنا الباب على إشكالية التوثيق مثلاً.

تناول الموشّحات الحلبية بالتحديد من خلال تساؤل: هل يمكننا الإشارة مطمئنّين إلى حركة توثيقية ما، وضعت هذا الفن في مأمن من الضياع أو النسيان؟ يحيلنا إلى عدد من الآراء المختلفة.

مثلاً، يقول الفنان إبراهيم مسلماني، مؤسّس فرقة “نوا” الموسيقية: “هناك ما يفوق الـ60 بالمئة من موشّحاتنا مفقود أو غير منشور أو غير موثّق، كثير منها كان يمكن أن نقدّمه للأجيال الجديدة”.

هذا يعني أن جزءاً كبيراً من هذا الإرث الفني قد ضاع. إرث باسم مدينة حلب التي كُلّما ذُكرت، قيل: “مدينة الموشّحات والقدود”، من دون أن ننتبه إلى حجم الإهمال والهدر بحقّ هذا الفن، في مرحلة سبقت ما وصلنا إليه اليوم، حيث تمّ تدمير جزء كبير من المدينة، إضافة إلى تهجير قسم من سكانها.

في مقارنة مع الجارة تركيا، نجد أن الأتراك وثّقوا ما يقرب من 55 ألف نوتة موسيقية، حُفظت فيها الموسيقى الغنائية والآلية التركية والعثمانية، بينما صدحت أصوات الفنانين السوريين بما يقرب من 250 موشّحاً تقريباً، والموثّق منها أقل من ذلك. من جهة أخرى، لم يكن للمؤسّسات الحكومية دور يُذكر في التخطيط والدعم من أجل إنجاح عملية حفظ الموشّحات والفولكلور بشكل عام.

كما أنّنا نسمع على لسان بعض الباحثين السوريين عبارة تتكرّر كثيراً: “الكثير من موشّحاتنا ماتت وضاعت لأنها لم تعد صالحة للسماع بسبب تطور الحياة وسرعة إيقاعها”. وفي هذ الرأي، نجد أنّ الباحث الذي لم يسمع كل الموشّحات، يقرّر بمفرده، ونيابة عن المستمعين الذين لم يسمعوا تلك الموشحات أيضاً، أنها أعمال فنية منتهية الصلاحية؛ أي أن العيب فيها هي، وليس في تقصير الجهات الثقافية والموسيقيين أنفسهم، بينما تفترض أساسيات العمل التوثيقي ألاّ يقوم الباحث بعمله معتمداً على ما تميل إليه ذائقته الموسيقية.

بمعنى آخر، لو وافقنا على عدم صلاحية بعض الموشّحات، فإن مبدأ التوثيق يجب ألاّ يخضع إلى هذا لأمر. من قال إن قيمة الثور المرسوم في الكهوف، متأتّية من حب الناس لرؤية الثيران منقوشة على الجدران بطرق بدائية؟

بحسب الباحث والموسيقي محمد قدري دلال، فإن أبرز عمل توثيقي للموشّحات الحلبية شهدته سورية كان عام 1955، على يد كل من فؤاد رجائي ونديم علي الدرويش. إذ يؤكد أن كتاب “من كنوزنا”، حول الموشّحات الأندلسية، هو أول عمل بحثي عُني بدراستها وتوثيقها على مستوى العالم العربي.

تضمّن الكتاب دراسة مطوّلة تناولت توافق الإيقاعين الشعري والموسيقي، إلى جانب أساليب التلحين في الموشّحات الأندلسية الموروثة في حلب. ضم، أيضاً، تدويناً موسيقياً لعدد كبير من وصلات الموشّحات، لم تُدوّن من قبل، وكانت تُبثّ في الإذاعات فقط.

ساهم نشر الكتاب في تشجيع الملحّنين السوريين على إكمال وصلات الموشّحات لعدد كبير من المقامات الموسيقية، وعلى تأليف مقطوعات موسيقية جديدة على قالب السماعي. لم يكتب لمشروع “من كنوزنا” الاستمرار كما كان مخطّطاً له كسلسلة، فتوقف بعد أن وثّق 124 موشحاً، تم تسجيلها في إذاعة حلب التي كان يترأسها آنذاك رجائي.

بعد ذلك، بدأت تتوضّح ملامح مشروع آخر تصدّى له المخرج والباحث جميل ولاّية، الذي يعتبر رائداً في التوثيق المرئي والمسموع للتراث؛ فقدّم عدة برامج للإذاعة والتلفزيون السوري، نذكر منها “أيام وأنغام”. ثم كتب وأخرج وقدّم 64 حلقة بعنوان “مع الموسيقى العربية”. وفي سبعينيات القرن الماضي، قدّم سلسلة “نغم الأمس”، وأسند البطولة الغنائية لصباح فخري.

يذكر الباحث سعد الله آغا القلعة، أن عدد ما سُجّل في “نغم الأمس” يقرب من 160 لحناً، ما بين أغنية وقصيدة ودور وموشّح وموّال وأغنية شعبية وقدّ حلبي. أعمال ولاّية رافقها بزوغ نجم شريكه في “نغم الأمس” المطرب صباح فخري، الذي شكّل علامة فارقة في الطرب الحلبي وفي توثيق الموشّحات أيضاً.

وبحسب كتاب “الموسيقى في سورية” للباحث صميم الشريف، فإن الباحث التونسي إلياس بودن أحصى في كتابه “صباح فخري ومسيرته الفنية”، 347 أغنية قديمة، منها 110 لا يُعرف لها ملحن. ولعل الإجابة الشافية ستأتي مع الكتاب الذي تحدّث فخري نفسه عن قرب صدوره، وهو بعنوان “ما غنّاه صباح فخري”. من المنتظر أن يوثّق العمل لأكثر من ألف أغنية تتنوّع بين ما غناه قديماً وحديثاً؛ منذ عام 1948 حتى الآن.

لا يمنعنا ما قدّمه فخري، في مجال القدود الحلبية، من التطرّق إلى بعض الآراء النقدية التي تقول إن معظم ما غنّاه من موشّحات كان شائعاً ودارجاً في حلب آنذاك.

من الأسماء الأخرى التي كان لها دور كبير في توثيق جزء من الموشّحات؛ الشيخ بكري الكردي وحسن بصال وصبري مدلّل ومحمد خيري ومصطفى ماهر وحسن حفار. لكن هناك من يقول إن عملية توثيق الموشّحات شبه متوقّفة منذ زمن طويل، خصوصاً إذا اتّفقنا على أن إعادة تقديم أعمال تم توثيقها سابقاً، لا يُعتبر توثيقاً، إلا إذا أتت بعناصر أكثر أصالة ممّا سبق، مدعّمة بالبراهين والدلائل.

هنا، تجدر الإشارة إلى تجربة حديثة، هي فرقة “نوا” التي أسّسها ويديرها الفنان إبراهيم مسلماني. تهتم هذه الفرقة بإحياء ونشْر المُوَشّحات والقدود بنوعيها: الـديني والغزلي، وتوثيق فصول من الذِكر المتوارَث في حلب؛ وذلك بعد مقارنة الوثائق المدوّنة قديماً بالمتواتِر الشفهي، لتقديمها بأقصى أمانة ممكنة، مع المحافظة على الروح والفطرة في أدائها.

يقول مسلماني: “نركّز على تقديم ألحان وفصولٍ يعود تاريخها إلى ما قبل النصف الأول من القرن العشرين، كانت قد نُسيت أو حُرِّفت عبر السنين. نختار الألحان حسب جمالها الفني وقيمتها التاريخية معاً، بعيداً عن الفولكلور السياحي والمستهلك”.

يلخّص مسلماني جانباً أساسياً من هذه الإشكالية، مفاده أننا يجب أن نميّز ونفاضل من ناحية القيمة التوثيقية بين فنان أو فرقة تقدّم الموشّحات المتوفرة للناس في الأسطوانات والمكتبات المسموعة والمرئية، وبين فنان أو فرقة تبحث وتمحّص في الجزء الضائع أو المنسي وتعيد إحياءه وتقديمه من جديد.

صحيح أنهما يكمّلان بعضهما بعضاً، لكن، من جهة أخرى، ما عُرف من موشّحات يمكننا أن نعود إليه متى شئنا، وما نحتاجه حقيقةً، هو التقصّي في ذاكرة تلك المدينة التي يعاني حاضرها ضياعاً هو الآخر.

 رابط المقال: